أبو سعد منصور بن الحسين الآبي

96

نثر الدر في المحاضرات

ثم أمر بجمع النفّاطين لتحريق الناحية ؛ فقلت : أيّها الأمير ؛ هذا من أشرف أيام الإسلام فلا تفسده بجهل غلمة لا أخلاق لهم ، ولم أزل أداريه وأرفق به حتى سار . لمّا ولي المعتضد حسنت آثاره ، وأمر بالزيادة في المسجد الجامع بالمدينة ، وأمر بتسهيل عقبة حلوان . وأنفق إليها نيّفا وعشرين ألف دينار ، وأمر بردّ المواريث على ذوي الأرحام ، وأخّر النّيروز ، واستبدّ الخراج إلى وقت إدراك الغلّات ، وعمّر الدّنيا ، وضبط الأطراف ، وأحسن السياسة . وقيل : إنّه أفضت إليه الخلافة وليس في الخزانة إلا سبعة عشر درهما زائفة ومات وخلّف ما يزيد على عشرين ألف ألف دينار . لمّا مات عبيد اللّه بن سليمان وزيره استعان ابنه القاسم ببدر ؛ ليولّيه مكان أبيه فسأل المعتضد في بابه وألحّ ؛ فقال : يا أبا النجم ، هذه عشرة آلاف ألف دينار من تركته ، خذ نصفها ؛ فقال : يا مولاي ؛ إذا فعلت ما أريد فقد أعطيتني كلّها . فقال : قد أجبتك ، فاغد به غدا ؛ فو اللّه لا يقتلك غيره ، فلست أعرف بالقوم مني ، فكان الأمر على ما ظنّه وقاله . وقال مرة : يتحدث الناس بأنّي بخيل ، وقد نصبت لهم بدرا يفرّق عليهم ما أجمع ، وقد وهبت له منذ أيام عشرة آلاف ألف درهم ، لو أردتها ما تأخر عنّي منها درهم واحد ، ولكني واللّه لا أحبّ أن أهب قليلا ولا يحتمل الحال الذي دفعت إليه الكثير . قال : كان الحسن بن زيد يوجه من طبرستان في كلّ سنة بمال يفرّق على الطالبين سرّا ، واحتذى ذلك بعده محمد بن زيد أخوه ، فبلغ ذلك المعتضد ، فوجّه إلى عليّ بن محمد القطان الذي كان المال يصل إليه ، وقال : لم يبعث هذا سرّا ؟ الصواب أن يشهر ليرغب الناس في فعل مثله ، ويكثر الدعاء لفاعله . لمّا قصد المعتضد الأعراب فصار في وسط بيوتهم ، وهو في عدد يسير حتى لحقه بدر قيل له : لو عرفك الأعراب فأقدموا عليك كيف كانت تكون حالك ، وحال الناس ؟ فقال : لو عرفوني لتفرّقوا ، أما علمتم أنّ الرصافية وحدها عشرون ألفا .